ابن ميمون
70
دلالة الحائرين
فصل لب [ 32 ] [ المقارنة بين الادراكات العقلية والحسية ] اعلم يا أيها الناظر في مقالتي أنه يعترى في الادراكات العقلية ، من حيث لها تعلّق بالمادة ، شيء شبيه بما يعترى للادراكات الحسية . وذلك أنك إذا نظرت بعينك أدركت ما في قوة بصرك ان تدرك ، فإن استكرهت عينك وحدّقت بالنظر وتكلفت ان تنظر على بعد عظيم أطول مما في قوتك أن تنظر ببعده أو تأملت خطّا دقيقا جدا أو نقشا دقيقا ، ليس في قوتك إدراكه ، فاستكرهت نظرك على تحقيقه ، فليس يضعف بصرك عن ذلك الّذي لا تقدر عليه فقط ، بل ويضعف أيضا عن ما في قوتك أن تدركه ، ويكلّ نظرك ولا تبصر ما كنت قادرا على إدراكه قبل التحديق والتكلف . وكذلك يجد كل ناظر في علم ما حاله في حال التفكر ، فإنه إن أنعم « 942 » في التفكر وتكلف كل خاطرة يتبلد ولا يفهم حينئذ ، ولو ما شانه ان يفهمه ؛ / لان حال القوى البدنية كلها في هذا المعنى حالة واحدة . وشبه هذا يجرى لك في الإدراكات العقلية . وذلك أنك إن وقفت عند الشبهة ، ولا تخدع نفسك بان تعتقد البرهان في ما لم يتبرهن ، ولا تبادر وتدفع وتقطع بالتكذيب لكل ما لم يتبرهن نقيضه ، ولا تروم إدراك ما لا تقدر على ادراكه فتكون قد حصلت على الكمال الانساني ، وتكون في درجة الرّبىّ « 943 » عاقيبا عليه السلام الّذي : دخل بسلام وخرج بسلام « 944 » ، عند نظره في هذه الأمور الإلهية . وان رمت إدراكا فوق ادراكك أو بادرت لتكذيب الأمور التي لم يتبرهن نقيضها أو هي ممكنة ولو بأبعد امكان لحقت باليشاع آخر « 945 » . وما هو أن لا تكون كاملا فقط ، بل تصير أنقص كل ناقص ، ويحدث لك حينئذ تغليب « 946 » الخيالات ، والميل نحو النقائص والرذائل والشرور
--> ( 942 ) أنعم : ت ج ، أمعن : ن ( 943 ) الربى عاقيبا : ا ، رغقيبه : ت ج ( 944 ) : ا ، نكنس بشلوم ويصا بشلوم : ت ج [ حجيجه 14 / 2 ] ( 945 ) باليشاع اخر : ا ، باليشع أحر ت ج ( 946 ) تغليب ت ، تجلى : ج